تحذير قاتل من قمة "غوغل": نصف شركات الذكاء الاصطناعي الناشئة مهددة بالانقراض خلال عام
في زمنٍ بات فيه إنشاء شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي أشبه بـ"موضة عابرة" لا تتطلب أكثر من فكرة وفريق تقني، خرج صوتٌ ثقيل من داخل معمـل العمالقة ليدق ناقوس الخطر. دارين موري، الرجل الذي يقود المنظومة العالمية للشركات الناشئة في "غوغل كلاود" و"ديب مايند" و"ألفابت"، لم يوجّه كلامه للمستثمرين أو للمحللين في وادي السيليكون فحسب، بل كان حديثه بمثابة شهادة وفاة مبكرة لنموذجي عمل كانا حتى الأمس القريب يُعتبران "حصانين رابحين".
في حلقة نقاشية مثيرة، شبه موري وضع هاتين الفئتين من الشركات بسيارة يضيء مؤشر "فحص المحرك" (Check Engine) فيها. قد تسير لبعض الوقت، لكن العطل الأكبر بات وشيكاً.
لماذا تموت الشركات اليوم؟ قصة "الغلاف" و"المجمّع"
منذ انفجار شرارة الذكاء الاصمناعي التوليدي، كنا نسمع كل أسبوع عن شركة ناشئة "تحدث ثورة" في مجال ما. لكن عند التدقيق، كان الكثير منها يعيد تدوير ما هو موجود. هنا يكمن جوهر التحذير الذي يوجّهه موري، والذي يقسم الشركات الأكثر عرضة للخطر إلى نوعين:
النوع الأول: شركات "الغلاف" (LLM Wrappers)
تخيل أنك تشتري أغلى محرك سيارة في العالم (مثل GPT-5 أو Gemini)، ثم تضع عليه هيكلاً جميلاً وشاشة لمس حديثة، وتدّعي أنك صنعت سيارة جديدة. هذا هو بالضبط مفهوم "الغلاف". إنها شركات تبني تطبيقها بالكامل بالاعتماد على نموذج لغوي ضخم موجود مسبقاً، مع إضافة طبقة بسيطة من واجهة المستخدم لحل مشكلة معينة (مثل تطبيق يساعد الطلاب على الدراسة باستخدام الذكاء الاصطناعي).
يقول موري بصراحة قاسية: "الصناعة لم تعد تملك صبراً على هذا النموذج". لم يعد مقبولاً أن تضع علامتك التجارية على نموذج شخص آخر دون إضافة قيمة فكرية حقيقية. ما كان ينجح في منتصف عام 2024، لن يشتريه أحد اليوم.
النوع الثاني: شركات "التجميع" (AI Aggregators)
هذا النموذج أكثر خطورة بحسب موري، الذي نصح الشركات الناشئة بـ "الابتعاد فوراً عن هذا الطريق". هذه الشركات هي بوابات تتيح للمستخدم الوصول إلى نماذج متعددة من خلال واجهة برمجية واحدة (API). قد تبدو فكرة ذكية، مثل وكيل سفر يحجز لك من جميع الخطوط الجوية. لكن المشكلة أن المستخدمين، كما يوضح موري، يبحثون عن "ملكية فكرية مدمجة" توجههم للنموذج المناسب بناءً على احتياجهم الفعلي، وليس مجرد وسيط تقني.
دروس من الماضي: كيف قضت "أمازون" على شركات كانت تشبهكم؟
ما يجعل تحذير موري مخيفاً ليس فقط موقعه الحالي في غوغل، بل تاريخه الطويل. الرجل قضى سنوات في "أمازون ويب سيرفيسز" (AWS) و"مايكروسوفت"، وشاهد بعينيه كيف تكررت المأساة ذاتها قبل خمسة عشر عاماً.
في الأيام الأولى للحوسبة السحابية، ظهرت العشرات من الشركات التي كانت "تعيد بيع" البنية التحتية لأمازون. كانت تقدم فواتير مبسطة ودعماً فنياً. لكن بمجرد أن بنت أمازون أدواتها الخاصة وتعلم العملاء كيفية إدارة الخدمات مباشرة، انقرضت معظم هذه الشركات. لم ينجُ سوى من أضاف قيمة حقيقية: خدمات أمنية، استشارات متخصصة، أو أدوات تطوير متقدمة.
اليوم، تواجه شركات التجميع (AI Aggregators) نفس المصير. ضغط الهوامش من قبل مقدمي النماذج أنفسهم (مثل غوغل، OpenAI، أنثروبيك) سيحول الوسطاء إلى مجرد شبح.
من سينجو؟ معادلة "الخندق" الجديدة
إذا كان وضع غلاف على GPT-5 لم يعد مجدياً، فما هو السر؟ الإجابة في كلمة واحدة يقولها موري: "الخندق" (Moat). يجب أن يكون لدى الشركة الناشئة خندق واسع وعميق يحميها من المنافسة.
هذا يعني أمرين لا ثالث لهما:
1. تميز أفقي: أن تبني أداة عامة ولكنها استثنائية. مثل "Cursor" التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لمساعدة المبرمجين على الكتابة. إنها تستخدم نموذجاً أساسياً، لكن قيمتها تكمن في فهمها العميق لسياق البرمجة، وتكاملها مع بيئات العمل، والخبرة التي راكمتها.
2. تخصص عمودي قاتل: أن تحفر في مجال تخصصي ضيق جداً وتعرف عنه أكثر من أي شخص آخر. مثل "Harvey AI" للمحاماة. لا تكتفي بوضع ذكاء اصطناعي فوق القانون، بل تفهم صيغ العقود، والسوابق القضائية، وطريقة تفكير القضاة. هذا هو الذكاء الاصطناعي الذي لا يمكن استبداله بزر في لوحة تحكم.
نظرة متفائلة: أين تكمن الفرص الحقيقية؟
رغم قسوة التحذير، إلا أن موري متفائل بمستقبل الذكاء الاصطناعي، لكنه يراه في أماكن أخرى. يتوقع أن يشهد عام 2026 وما بعده نمواً كبيراً في:
· منصات المطورين (Developer Platforms): أدوات مثل Replit وLovable التي تمكّن أي شخص من "برمجة" الأفكار باستخدام الذكاء الاصطناعي.
· التطبيقات المباشرة للمستهلك: التي تضع أدوات قوية في أيدي المستخدمين العاديين، مثل تمكين طلاب السينما من إنتاج أفلام كاملة باستخدام مولد الفيديو Veo من غوغل.
· ما وراء الذكاء الاصطناعي: التكنولوجيا الحيوية (Biotech) وتكنولوجيا المناخ (Climate Tech) هما المجالان اللذان يرى فيهما موري "كميات هائلة من البيانات" التي يمكن للشركات الناشئة استغلالها بطرق لم تكن ممكنة من قبل، مما يخلق قيمة حقيقية للإنسانية.
الخلاصة:
الرسالة من قمة هرم "غوغل" واضحة ولا تحتمل التأويل. عصر "الفقاعات" السهلة قد ولّى. المستثمرون لم يعودوا يمولون "الأفكار"، بل يمولون "الجوهر". السوق لم تعد ترحم من يركب الموجة، بل تبحث عمّن يصنع عمقه الخاص. إما أن تبني خندقك، أو سيبنيك السوق قبراً.

التعليقات