صفقة سام ألتمان مع البنتاغون.. هل تبيع OpenAI روحها مقابل "ضمانات تقنية"؟
عبد الرحيم لشقر
---
بينما تنشغل وسائل الإعلام التقنية بتفاصيل الصفقات والمليارات، هناك معركة صامتة تدور خلف الكواليس في واشنطن وسان فرانسيسكو: معركة روح التكنولوجيا. هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخدم آلة الحرب دون أن يفقد إنسانيته؟ هذا هو السؤال الذي يحاول سام ألتمان الإجابة عنه بطريقته، بينما يختار منافسه داريو أمودي مواجهة مختلفة.
في خطوة مفاجئة قد تعيد رسم ملامح العلاقة الملتبسة بين وادي السيليكون والمؤسسة العسكرية الأمريكية، أعلن سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، مساء الجمعة، عن إبرام اتفاق تاريخي يسمح لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بالشركة ضمن شبكتها السرية.
هذا الإعلان، الذي كشفت عنه TechCrunch حصرياً، يأتي تتويجاً لمواجهة علنية وساخنة بين البنتاغون ومنافسة OpenAI اللدودة، شركة Anthropic، التي رفضت الخضوع لمطالب الحكومة دون "خطوط حمراء" واضحة. فبينما كانت وزارة الدفاع (التي باتت تعرف في إدارة ترامب باسم "وزارة الحرب") تضغط على شركات الذكاء الاصطناعي للموافقة على استخدام نماذجها في "جميع الأغراض القانونية"، تمسكت Anthropic بموقفها الرافض لتطبيقات تشمل المراقبة الجماعية المحلية والأسلحة المستقلة بالكامل.
الخلفية: صراع المبادئ أم صراع النفوذ؟
ما يجعل هذه الصفقة أكثر إثارة للجدل، هو السياق السياسي والأخلاقي المحيط بها. فقد أصدر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لـ Anthropic، بياناً مطولاً الخميس الماضي، دافع فيه عن موقف شركته قائلاً: "في مجموعة ضيقة من الحالات، نعتقد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقوض، بدلاً من أن يدافع، عن القيم الديمقراطية". موقف Anthropic لم يمر دون رد فعل عنيف من الإدارة الأمريكية، حيث هاجمها الرئيس السابق دونالد ترامب واصفاً إياها بـ "المجانين اليساريين"، موجهاً الوكالات الفيدرالية بالتوقف عن استخدام منتجاتها خلال ستة أشهر. بل ذهبت وزارة الدفاع إلى أبعد من ذلك، بتصنيف Anthropic كمصدر تهديد لسلسلة التوريد، مما يمنع أي متعاقد عسكري من التعامل معها تجارياً.
صفقة OpenAI: "ضمانات تقنية" في قلب الحرب
في خضم هذه الأجواء المشحونة، أعلن ألتمان عن صفقته مع البنتاغون، مؤكداً أنها تتضمن "ضمانات تقنية" تعالج القضايا نفسها التي كانت نقطة الخلاف مع Anthropic. في منشور له على منصة X، كشف ألتمان أن الاتفاق يكرس مبدأين أساسيين: "حظر المراقبة الجماعية المحلية، والمسؤولية البشرية عن استخدام القوة، بما في ذلك أنظمة الأسلحة المستقلة". وأضاف أن وزارة الحرب أقرت بهذه المبادئ، وانعكست في القوانين والسياسات، وتم تضمينها حرفياً في الاتفاقية.
لكن الأهم، بحسب ألتمان، هو أن OpenAI ستقوم ببناء "ضمانات تقنية" لضمان سلوك نماذجها كما هو متفق عليه. وستقوم بنشر مهندسين داخل البنتاغون للمساعدة في تشغيل هذه النماذج وضمان سلامتها. وفي خطوة استباقية، طالب ألتمان وزارة الحرب بتقديم نفس الشروط لجميع شركات الذكاء الاصطناعي، داعياً إلى تهدئة التصعيد والعودة إلى طاولة "الاتفاقات المعقولة".
تفاصيل حصرية: "كومة أمان" تمنع الإجبار
وبحسب تقرير لـ شيرون غولدمان من مجلة Fortune، فقد كشف ألتمان في اجتماع داخلي مع موظفي OpenAI أن الاتفاق يسمح للشركة ببناء "كومة أمان" خاصة بها لمنع إساءة الاستخدام. وأكد ألتمان للموظفين: "إذا رفض النموذج تنفيذ مهمة ما، فلن تستطيع الحكومة إجبارنا على جعله ينفذها". هذا البند يعتبر انتصاراً كبيراً لمبدأ السيطرة البشرية على أنظمة الذكاء الاصطناعي، خاصة في السياقات العسكرية الحساسة.
التوقيت المثير للجدل
ما زاد من حدة الجدل حول هذا الإعلان، هو تزامنه مع أنباء عن بدء القصف الأمريكي والإسرائيلي لإيران، ودعوة ترامب لإسقاط الحكومة الإيرانية. هذا التزامن يضع صفقة OpenAI في قلب النقاش العالمي المحتدم حول دور شركات التكنولوجيا الكبرى في الصراعات المسلحة، ومدى قدرة "الضمانات التقنية" على البقاء نافذة في خضم آلة الحرب.
بالنسبة للمتابع العربي، هذه التطورات ليست مجرد أخبار تقنية عابرة. فالأنظمة نفسها التي تبرمج الآن على رفض المراقبة الجماعية في أمريكا، قد تُستخدم في سياقات أخرى على أرض المنطقة. الحدود الأخلاقية للتكنولوجيا لا تتوقف عند جغرافيا.
رأي الكاتب:
دعنا نكون صريحين: "الضمانات التقنية" فكرة جميلة على الورق، لكن من يضمن تطبيقها في غرفة العمليات العسكرية عندما تتصاعد الأزمة؟ بينما اختارت Anthropic مواجهة الإدارة الأمريكية في المحاكم، راهن سام ألتمان على إبرام اتفاق يضمن بقاء OpenAI داخل اللعبة، مع الاحتفاظ ببعض أدوات التحكم.
لكن السؤال الأعمق الذي يبقى معلقاً: عندما تندفع عجلة الحرب، هل تصمت "الضمانات التقنية"؟ وهل يستطيع مهندسو OpenAI المنتشرون داخل البنتاغون إيقاف نموذج ذكي أصر على رفض أمر عسكري، أم سيكونون مجرد شهود على زمن جديد من الأتمتة العسكرية؟
الوقت وحده كفيل بإثبات ما إذا كانت صفقة ألتمان ستكون نموذجاً يحتذى للمسؤولية الأخلاقية في زمن الحرب، أم أنها مجرد غطاء أخلاقي لعقد شراكة مع آلة الحرب الأمريكية.
كتبه لكم: عبد الرحيم لشقر
من قلب الحدث التقني، حيث تلتقي الخوارزميات بالقرارات المصيرية
---
#OpenAI #البنتاغون #سام_ألتمان #الذكاء_الاصطناعي #Anthropic #الحرب_والتكنولوجيا #أخبار_تقنية #TechCrunch #عبد_الرحيم_لشقر #رأي_الكاتب

التعليقات