بين قبضة البنتاغون وهروب الشركات: "Claude" والمعادلة الصعبة لتقنيات الدفاع في 2026
في وقت تشهد فيه صناعة الذكاء الاصطناعي تحولات جذرية تعيد رسم خريطة القوى العالمية، يبرز مشهد مثير للتناقض داخل الأروقة الأمريكية؛ فبينما تظهر تقارير حديثة تمسكاً شديداً من قبل المؤسسة العسكرية الأمريكية (البنتاغون) بنماذج الذكاء الاصطناعي "Claude" التابعة لشركة Anthropic، يلوح في الأفق مشهد آخر مغاير تماماً: حالة من "الفرار الجماعي" لعملاء قطاع تكنولوجيا الدفاع من هذه المنصات.
هذا الانفصال الحاد بين الولاء الحكومي والتردد التجاري يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل التعاون بين القطاعين الخاص والعسكري في عصر خوارزميات الحرب.
#### البنتاغون: الإصرار على "كلود" رغم العواصف
تشير المصادر المقربة من وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن الجيش ليس مجرد مستخدم عادي، بل يعتمد بشكل متزايد على قدرات "Claude" في معالجة البيانات الاستراتيجية، وتحليل السيناريوهات اللوجستية، وربما حتى في التخطيط العملياتي المعقد. هذا التمسك يأتي رغم الجدل الدائر حول أخلاقيات استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في الملفات العسكرية، مما يعني أن الحكومة الأمريكية ترى في هذه النماذج ميزة تنافسية لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة، متجاوزة بذلك الضغوط الأخلاقية التي قد تقلق الشركات المدنية.
#### الفرار الكبير: لماذا ينسحب عملاء الدفاع التقليديون؟
في المقابل، يشهد السوق تحولاً دراماتيكياً؛ حيث تسارعت شركات تقنيات الدفاع (Defense Tech Clients) إلى إعادة النظر في عقودها مع منصات مثل Anthropic. يتجاوز الأمر مجرد التكلفة، ليصل إلى معضلة "الموثوقية والتحكم". تتجه هذه الشركات نحو تطوير نماذجها الخاصة (Proprietary Models) أو البحث عن بدائل توفر سيادة أكبر على البيانات.
يبدو أن الشركات الخاصة تخشى من أن الاعتماد على نموذج عام مثل "Claude" يعرضها لمخاطر تتعلق بخصوصية البيانات الحساسة، بالإضافة إلى مخاوف من أن تحاول الشركة الأم (Anthropic) تعديل قواعد الاستخدام بما قد يعيق تطبيقاتهم العسكرية مستقبلاً. إنها معادلة الخوف من "الاصطفاف الحكومي" الذي قد يأتي على حساب العملاء التجاريين الآخرين.
#### المعضلة الأخلاقية والتجارية
يكشف هذا الموقف عن أزمة هوية تعيشها شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى. فهي من ناحية، تسعى لتحقيق أرباح طائلة عبر عقود حكومية ضخمة، ومن ناحية أخرى، تخشى من تلويث سمعتها أو خسارة قاعدة عملاء واسعة من الشركات الناشئة التي تفضل البقاء بعيدة عن التجسس العسكري.
إن استمرار البنتاغون في استخدام "Claude" قد يكون سيفاً ذا حدين لشركة Anthropic؛ فهو يضمن لها تدفقاً مالياً واستراتيجياً، لكنه قد يعزلها في "صومعة عسكرية" بينما يهرب بقية السوق نحو حلول أكثر مرونة وشفافية.
#### مستقبل الذكاء الاصطناعي في الحروب
نحن أمام مشهد يعيد تعريف قواعد اللعبة. الجيوش تريد الاستقرار والقوة، والشركات تريد التحكم والسرية. حالة "الطلاق" بين "Claude" وعملاء الدفاع التقنيين قد تكون البداية لحقبة جديدة تشهد انقسام سوق الذكاء الاصطناعي إلى قسمين: ذكاء مخصص للخدمات الحكومية والعسكرية، وذكاء مخصص للقطاع الخاص، مع خطوط حمراء تفصل بينهما.
السؤال لم يعد: "هل ستستخدم الجيوش الذكاء الاصطناعي؟"، بل أصبح: "بأي ثمن تدفع شركات التقنية ثمن تحالفاتها العسكرية؟". عام 2026 قد يكون العام الذي تُحسم فيه هذه المعادلة.
**عن الكاتب:**
عبد الرحيم لشقر - كاتب ومحلل .

التعليقات