بيربلكسي تطلق "كمبيوتر" ثوري: هل حان عصر تعدد نماذج الذكاء الاصطناعي؟
بقلم: عبد الرحيم لشقر
في خطوة استراتيجية تعيد رسم ملامح سوق الذكاء الاصطناعي التوليدي، أعلنت شركة بيربلكسي الناشئة عن تدشين أداة ثورية تحمل اسم "Perplexity Computer"، في تحدٍ واضح للمنطق السائد الذي يركّز على نموذج لغوي عملاق واحد.
هذه الأداة، التي باتت متاحة حصرياً لمشتركي الباقة الأعلى "Perplexity Max" البالغة قيمتها 200 دولار شهرياً، لا تقدم مجرد مساعد ذكي عادي، بل تصفها الشركة بأنها "وكيل حاسوبي موحد" قادر على تنفيذ مهام معقدة بالكامل باستخدام 19 نموذج ذكاء اصطناعي مختلف، بل ويملك القدرة على إنشاء وكلاء فرعيين للتعامل مع مشكلات محددة.
ما الذي يميز "كمبيوتر" بيربلكسي؟
تعمل الأداة بالكامل عبر الحوسبة السحابية، مما قد يجنبها بعض المخاوف الأمنية التي تواجه أدوات وكيلة أخرى مثل OpenClaw. وتشمل قدراتها جمع الإحصائيات، وتحليل البيانات المالية والقانونية، وإنشاء تحليلات متكاملة، ومشاركة النتائج على شكل مواقع ويب أو تصورات بيانية متكاملة.
لكن ما يثير الانتباه حقاً هو الفلسفة التي تقف وراء هذا المنتج. ففي إحاطة إعلامية مغلقة عقدتها الشركة الأسبوع الماضي، كشف مسؤولو بيربلكسي عن رؤيتهم لمستقبل الذكاء الاصطناعي، والتي تختلف جذرياً عن توجه عمالقة القطاع.
"تعدد النماذج" هو المستقبل
يقول أحد المسؤولين التنفيذيين في الشربة: "تعدد النماذج هو المستقبل". هذه المقولة تلخص تحولاً استراتيجياً عميقاً. فبدلاً من الاعتماد على نموذج واحد عملاق، تراهن بيربلكسي على أن النماذج اللغوية الكبيرة ستتخصص، وليس أن تصبح سلعة رخيصة.
وتشير بيانات الشركة إلى أن مستخدميها يبدلون بين النماذج باستمرار للحصول على النتائج المثلى. ففي ديسمبر 2025، كانت الاستعلامات البصرية توجّه في الغالب إلى Gemini Flash، بينما كانت مهام البرمجة من نصيب Claude Sonnet 4.5، والبحوث الطبية لصالح GPT-5.1.
بل إن الشركة تذهب أبعد من ذلك، حيث يختار برنامجها النموذج المثالي تلقائياً وفقاً للمهمة المطلوبة. كما تستخدم نسخاً معدلة من نماذج صينية مفتوحة المصدر للإجابة عن الاستفسارات بتكلفة أقل، وهي تقنية أثارت جدلاً سابقاً عندما أخفتها الشركة عن عملائها، لكنها تعتمدها اليوم بشفافية كاملة.
تحول نموذج العمل: من الجماهيرية إلى التأثير النوعي
في مفارقة لافتة، تتجه بيربلكسي عكس التيار. ففي الوقت الذي تسعى فيه OpenAI لاستقطاب 800 مليون مستخدم أسبوعي وتبدأ باختبار الإعلانات في ChatGPT، تتبنى الشركة استراتيجية مختلفة تماماً.
يقول أحد المسؤولين: "لا تسمعونا نتحدث أبداً عن المستخدمين النشطين شهرياً، لأننا لسنا في مهمة لجذب أكبر عدد ممكن من المستخدمين". هذا التصريح الجريء يكشف عن تحول نحو شريحة نخبوية من المستخدمين: صناع القرار الذين يتعاملون مع "قرارات تغير الناتج المحلي الإجمالي".
وقد تخلت الشركة بالفعل عن تجربة الإعلانات التي أطلقتها أواخر العام الماضي، معتبرة أنها تقوض ثقة المستخدمين في دقة الإجابات. وبدلاً من ذلك، تركّز الآن على الاشتراكات المؤسسية، ولا سيما في مجال البحوث العميقة.
تحديات وطموحات
ليس الطريق مفروشاً بالورود بالطبع. فالقاعدة الجماهيرية لبيربلكسي لا تزال بعشرات الملايين، وهي تبهت أمام أرقام OpenAI. كما أن اقتصاديات تقديم استعلامات متعددة عبر نماذج مختلفة باشتراكات ثابتة تثير تساؤلات حول الجدوى المالية. وقد ظهرت شكاوى على منتديات Reddit حول حدود جديدة للاستخدام، وهو ما تنفيه الشركة جملةً وتفصيلاً.
لكن الشركة تبدو واثقة من ميزتها التنافسية. فمع عدم وجود مشاريع بنية تحتية باهظة، و"هوامش ربح عالية" على رسوم المستخدمين، تعتقد بيربلكسي أن قدرتها على توزيع الرموز المميزة (tokens) على النموذج الأفضل لكل مهمة سيبقيها في موقع قوة.
ما التالي؟
مع إطلاق متصفح Comet على iOS الشهر المقبل، ومؤتمر المطورين "Ask" في 11 مارس بالتعاون مع سان فرانسيسكو لتعزيز استخدام API الخاص بها، تبدو بيربلكسي عازمة على ترسيخ مكانتها كلاعب مختلف في ساحة الذكاء الاصطناعي.
هل ينجح هذا الرهان على "تعدد النماذج" والنخبوية في عالم يهيمن عليه العمالقة؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، لكنها بالتأكيد خطوة تستحق المتابعة.
عبد الرحيم لشقر
---
#بيربلكسي #الذكاء_الاصطناعي #AI #تقنية #أخبار_التقنية #Perplexity #AImodels #ذكاء_اصطناعي_توليدي #وكيل_ذكي #TechNews #ابتكار


التعليقات