الهند تتصدر ثورة الذكاء الاصطناعي العالمية: سباق المستخدمين يسبق تحقيق الأرباح
بقلم: عبد الرحيم لشقر
في مشهد رقمي يتحول بسرعة الضوء، تطل الهند كلاعبة استثنائية لا يمكن تجاهلها في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي. ففي عام 2025، لم تكتفِ هذه القارة الرقمية بأن تصبح أكبر سوق لتحميل تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي في العالم، بل وسعت الفجوة مع الولايات المتحدة بشكل مذهل، محققة قفزة سنوية في التحميلات بلغت 207%. إنه زلزال تكنولوجي هادئ، تعيد قوته تشكيل استراتيجيات عمالقة وادي السيليكون.
ما نشهده اليوم في السوق الهندي هو تحول جذري في فلسفة النمو. شركات مثل OpenAI وGoogle وPerplexity، التي كانت تتدافع لتقديم عروض مميزة مجانية ممتدة لخطف قلوب المستخدمين الهنود، تبدأ الآن في إطفاء أنوار الحفلة المجانية. انتهى عرض Perplexity مع شركة الاتصالات العملاقة Airtel في يناير، واختفى العرض المجاني "ChatGPT Go" من OpenAI. هذا ليس مجرد انتهاء لترويج، بل هو اختبار مصيري لمعادلة صعبة: هل يتحول هذا الجيش الهائل من المستخدمين إلى مشتركين يدفعون؟
الأرقام هنا تحكي قصة متناقضة. الهند، التي تقود نحو 20% من إجمالي تحميلات تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي عالمياً، لا تساهم إلا بحوالي 1% فقط من الإيرادات عبر المشتريات داخل التطبيق. تخيل هذا السيل البشري الهائل من المستخدمين الذين يتدفقون على التطبيقات، بينما تظل خزائن الإيرادات شبه فارغة. في نوفمبر وديسمبر 2025، ومع بلوغ التحميلات ذروتها، انخفضت إيرادات تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الهند بنسبة 22% ثم 18% على التوالي. ChatGPT نفسه، الذي يهيمن على أكثر من 60% من إيرادات السوق، شهد انخفاضاً حاداً بنسبة 33% و32% في نفس الفترة.
لكن ما الذي يحدث بالضبط؟ الهند تمتلك أكثر من مليار مستخدم للإنترنت وحوالي 700 مليون هاتف ذكي، وهي سوق شابة وواعدة، لكنها أيضاً "حساسة للسعر" بامتياز. لهذا، راهنت الشركات على أن إزالة حاجز السعر مؤقتاً سيبني عادة استخدام قوية تتحول لاحقاً إلى ولاء مدفوع. إنها مقامرة كبيرة: بناء قاعدة مستخدمين عملاقة الآن، على أمل جني الأرباح لاحقاً.
هذا التوجه تعززه تصريحات سنيها باندَي، المحللة في Sensor Tower، التي ترى أن الضغط على الأسعار في الهند سيظل مرتفعاً، مما يجعل نماذج الاشتراكات منخفضة التكلفة، والباقات المدمجة مع شركات الاتصالات، وحتى أنظمة الدفع الصغير (micro-transactions) هي مفاتيح النجاح على المدى الطويل.
ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو الانغماس الحقيقي في استخدام هذه التطبيقات. فالمستخدم الأمريكي لا يزال يتفوق على نظيره الهندي بنسبة 21% في الوقت المستغرق أسبوعياً على التطبيقات، و17% في عدد الجلسات. بناء "عادة الذكاء الاصطناعي" في حياة المستخدم الهندي هو ما سيحول هذه المليارات من التحميلات إلى إيرادات مستدامة.
الدخول إلى عام 2026، تتصدر ChatGPT المشهد الهندي بجيش ضخم من 180 مليون مستخدم نشط شهرياً في يناير، تليها Gemini من Google بـ 118 مليوناً، ثم Perplexity بـ 19 مليوناً، وMeta AI بـ 12 مليوناً. هذه الأرقام تؤكد أن المعركة في الهند قد انتقلت من مرحلة "جذب المستخدمين" إلى مرحلة أكثر تعقيداً هي "تحقيق الدخل" مع الحفاظ على النمو.
الهند اليوم هي بمثابة المختبر الأكبر لاستراتيجية "المستخدم أولاً، الربح لاحقاً". ونجاح أو فشل هذه الاستراتيجية هنا سيرسم ملامح انتشار الذكاء الاصطناعي في الأسواق الناشئة حول العالم لسنوات قادمة. فهل تنجح الشركات في تحويل هذا الحماس الرقمي إلى ذهب حقيقي؟ الأيام القادمة ستكشف عن الفصل التالي من هذه الدراما التكنولوجية.


التعليقات